مقدمة

وصلت كافة الأطراف إلى نفس النتيجة، التي وصل إليها هؤلاء الكتاب والصحفيون، بعد حرب إسرائيل التي امتدت 33 يوماً ضد حزب الله ولبنان. فما بدأ كهجوم إسرائيلي مخطط له منذ زمن بهدف تدمير حزب الله، انتهى إلى إهانة إسرائيل.

لم تكن تلك النتيجة بمثابة صدمة للجيش الإسرائيلي فحسب، ولكنها أيضا كانت لطمة مدمرة لإدارة بوش وشريكه الأدنى توني بلير في مساعيهما لإنقاذ الهيمنة الأمريكية من هزيمتها في المغامرة العراقية. فعلى الأقل، أعطت الإدارة الأمريكية للجيش الإسرائيلي تصريحا ضمنياً، بل ربما شاركت في التخطيط للهجوم الضاري في الثاني عشر من يوليو كما قال الصحفي الأمريكي سيمور هيرش. (1) وقد كان الهدف بسيطاً. فقد رغب الإسرائيليون في توجيه ضرية مدمرة إلى النفوذ الإيراني في لبنان – وحبذا لو تم ضرب النفوذ الإيراني على شيعة العراق – كجزء من الهجوم على إيران نفسها.

وكما طرح تشارلز كروثامر في صحيفة واشنطن بوست: "كانت هزيمة حزب الله سوف تمثل هزيمة ضخمة بالنسبة لإيران على الصعيدين النفسي والاستراتيجي. فقد كانت إيران ستخسر موطئ قدم في لبنان، وستخسر كذلك الوسائل الأساسية لهز استقرار منطقة الشرق الأوسط وإقحام نفسها في قلب المنطقة. وسوف يكون من الواضح أنها بالغت في أفعالها كثيراً في مساعيها لأن تجعل من نفسها قوة إقليمية عظمى." (2)

وكان افتراض الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية أن النصر سيكون سهلاً. وقد أوضح الصحفي المصري هاني شكر الله كيف كانت الحكومتان تتصوران المسألة: "بدا أنه حان أوان قطف رأس حزب الله. فقبل اندلاع الحرب بعام، كان قطاعاً كبيرا من الشعب اللبناني قد ثار ضد سيطرته العسكرية والسياسية في البلاد. وقد وجدت واشنطن في باريس، ممثلة أوروبا القديمة سابقا، حليفاً غير مألوف يرغب في تحقيق نفس الهدف. وكان لدى النظم العربية أسبابها الخاصة التي تجعلها راغبة في زوال حزب الله. فهي كانت تغمغم متذمرة من الهلال الشيعي الذي يقع في وسط المنطقة. وإزاء الثقة الكبيرة التي كان يوليها الأمريكيون والإسرائيليون لإمكانية نجاح هذه الاستراتيجية، فقد أعطوها أسبوعاً لكي يتم تنفيذها." (3)

غير أن الأمور سارت بشكل مختلف تماما. "مر الأسبوع الأول، ثم الثاني والثالث، دون أن ينكسر لبنان.. وبعد 17 يوماً من بداية الهجوم الإسرائيلي على لبنان، كانت إسرائيل تسحب لواء جولاني من بلدة بنت جبيل في جنوب لبنان التي كانوا قد زعموا قبل أسبوع أنهم استطاعوا السيطرة عليها." (4)

ما كان متصوراً أن يصبح تقدماً سياسياً وعسكرياً لإسرائيل والولايات المتحدة انقلب إلى عكس ذلك: "كانت كل الأطراف تغير من لهجتها. فالإسرائيليون، الذين تحدثوا في البداية عن تحطيم حزب الله، أصبحوا يتحدثون اليوم عن هدف وضع صواريخ حزب الله على بعد مسافة لا تطال المدن الإسرائيلية. وتوجهت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس – التي أخرجت لسانها للرأي العام العالمي عبر استمرار الرفض الأمريكي لمطالب وقف إطلاق النار – إلى المنطقة للتحدث عما أسمته التضحيات الكبيرة التي ينبغي على الطرفين تقديمها. والأوروبيون، الذين كانوا سعداء بالنظر إلى الجهة الأخرى، بينما كانوا يتمتمون حول ما يسمى رد الفعل غير المتكافئ.. أصبحوا الآن راغبين في إدانة القسوة الإسرائيلية وذبح المدنيين.. والأصدقاء العرب باتوا في أزمة ثانية. فإزاء الغضب المكثف من جانب الشعوب، أصبحوا الآن يتكالبون الواحد تلو الآخر على البحث عن خطاب حماسي متأجج يعبر عن إدانتهم لإسرائيل." (5)

ربما لا يمكن أن يكون هناك تناقضاً أكبر من ذلك القائم بين الحرب الأخيرة والحروب العربية الإسرائيلية السابقة. فقد شهدت هذه الحروب انتصارات سريعة جدا للجيوش الإسرائيلية، بينما  كانت الجيوش العربية تتوسل من أجل السلام على الفور. وكانت حرب عام 1967 أفضل تعبير عن هذا الوضع، حيث استطاعت القوات الإسرائيلية تحطيم ثلاثة جيوش عربية خلال ستة أيام، والسيطرة على الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان (وهي المناطق التي لازالت تسيطر عليها منذ 39 عاماً) وشبه جزيرة سيناء (التي أعيدت إلى مصر عقب معاهدة السلام مع إسرائيل).

كانت هزيمة عام 1967 بالنسبة لجيل كامل من القوميين العرب بمثابة الموت لمشروعهم الرامي إلى تحقيق الاستقلال في مواجهة الإمبريالية وتحرير فلسطين. والآن، فإن جيشاً عربياً هو الذي انتصر. (6) ويمكن أن تكون نتيجة ذلك هائلة بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط ككل.

التعليقات

علِّق

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

More information about formatting options