أزمة الرأسمالية وتصاعد الغضب الجماهيري
المعاناة الحالية للجماهير في الأرجنتين توضح مدى إفلاس سياسات التكيف الهيكلي. والمقاومة الجماهيرية الواسعة لهذه السياسات هي الإشارة الأكثر مرئية لتجذر المزاج العالمي المعادي لمذهب السوق الحر في كل مكان من أسيا مرورًا بأفريقيا إلى أمريكا اللاتينية. "نحن نقترب من نقطة الاضطرابات الواسعة في الأسواق".. "هذا الوقت الأكثر عصبية في الأسواق النامية منذ التدهور الكبير في روسيا في 1998". هذه أقوال بعض الساسة الاقتصاديين للبورجوازية تعليقًا على الاحتجاجات الجماهيرية في الأرجنتين ضد سياسات صندوق النقد والبنك الدوليين.
ما يثير قلق هؤلاء الساسة هو التفشي المفاجئ لأزمة مالية جديدة حادة في الأرجتين، الأمر الذي آثار مخاوفهم بأن حكومة البلاد قد تكون عاجزة عن مواصلة دفع ديونها الخارجية.
ذكر الفاينانشيال تايمز "الآن العدوى تنشر في أمريكا اللاتينية وأوربا الشرقية وآسيا". بعد أن ضربت الأزمة المالية تركيا والبرازيل الشهر الأسبق.
الأرجنتين وتركيا والبرازيل كانت بين البلدان الأولى التي دخل اقتصادهم في وقت سابق من السنة الحالية في أزمة عنيفة تأثيرًا بركود الاقتصاد الأمريكي.
الحكومات في هذه البلدان عالجت الأزمة الاقتصادية عن طريق تحميل الفقراء ثمنها بالانحناء لمطالب صندوق النقد الدولي للتقليل من الإنفاق الاجتماعي وتخفيض الأجور ولكن تطبيق هذه الإجراءات أشعل موجة هائلة من الغضب الجماهيري.
ما يقلق صندوق النقد الدولي وزعماء الدول الرأسمالية الكبرى ليست المعاناة التي تصيب أغلب الجماهير العمالية والفقيرة في مثل هذه البلدان نتاج مثل هذه الأزمة بل هم قلقون من أن البنوك الدولية لن تحصل على الفوائد ودفعات الديون المستحقة على هذه البلدان، وبأن هذا سيجعل تباعًا الأزمة التي تصيب الشركات الكبرى الأمريكية أسوأ.
السياسيون البورجوازيون والإعلام السائد يتكلمون عن الأزمات الاقتصادية كما لو أنها كوارث طبيعية حتمية، ما عدا أشد الأحزمة على البطون والتقشف (على الرغم من أننا نادرًا ما نراهم يشدون الأحزمة) فنحن لا نستطيع أن نفعل أي شيء في مواجهتها، لكن الشيء الوحيد الذي يجعل أمر الأزمة حتمي هو تنظيم الإنتاج الرأسمالي.
فهذا النظام مستند على المجموعات الرأسماليين التي تتنافس لتحقيق أرباح أكبر. وعندما تنخفض الأرباح نتيجة الإفراط في الإنتاج هم على استعداد أن يغلقوا صناعات كاملة عندما لا يكون هناك سوق قوي لمنتجاتهم. هذا هو منطق النظام الرأسمالي القائم على الاستغلال وفوضى المنافسة في الوقت الذي تعاني فيه ملايين الناس فإن السلع المادية التي يمكن أن تتغلب على معاناتهم تهدر عبر أزمة الإفراط في الإنتاج.
إضرابات عمال الأرجنتين وجنوب أفريقيا كانت الأكبر بروزًا الشهر الماضي ضد سياسات مؤسسات التمويل الدولية والرأسمالية المتوحشة وهي وتوجه رسالة إلى العمال والفقراء في كل مكان في العالم عن طريقة مواجهة الرأسمالية المتوحشة. كل أسبوع آلاف من العاطلين تحاصر الطرق، هذه الاحتجاجات وتكرار الإضرابات العامة تجعل مواصلة لحكومة لاسترضاء الشركات الكبرى والخبراء الماليين الدوليين صعبة للغاية الأمر الذي يتوقع معه زيادة واستفحال الأزمة الاقتصادية في الأرجنتين وغيرها من الدول وسيبدأ العمال هناك في الاأأزمهتمام بإثارة المسألة المركزية حول كيف يدار الاقتصاد وهل النظام الرأسمالي أن يقضي على معاناتهم أما أن الوسيلة الوحيدة لتحقيق ذلك هي سيطرة العمال على المراكز الرئيسية للإنتاج وأخضعها إلى نظام التخطيط الديمقراطي لتلبية الحاجات الإنسانية وليس بهدف الربح، اليوم هناك حركة معاداة الرأسمالية مع المؤيدين في كل جزء من الكرة الأرضية التي جعلت مهمة خلق عالم أخر على أنقاض النظام الرأسمالي ممكنة أكثر من أي وقت في الـ 25 سنة الماضية.
الجماهير في مواجهة خطط مؤسسات التمويل الدولية
جلب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي الخراب لمعظم الاقتصاديات التي طبقت برامجها ورمت المؤسستان ملايين الناس في جحيم الفاقة بنشر إصلاحات اقتصادية قاسية أدت إلى نشر الفقر والبطالة والمرض على نطاق واسع والمعروفة ببرامج التكيف الهيكلي، كشرط لأي قروض جديدة من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي. – وبتضمن هذه البرامج أو سيناريو إفقار الجماهير: خصخصة، وتخفيضات في الإنفاق العام، وتحرير الاقتصاد، وأخيرًا تحرير سوق العمالة.
خطوات أربع لصندوق النقد والبنك الدوليين لتجويع الجماهير
يبدأ السيناريو بدارسة يقوم بها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي عن اقتصاد البلد الذي يرغب في قروض ثم "تحقيق" على أرض الواقع لا يزيد على التفتيش القريب من الفنادق ذات الخمسة نجوم. ينتهي باجتماع بوزير مالية هذا البلد وبعد استجداء هذا الوزير، و "عزومة" وفد الصندوق أو البنك على "المشمر والمحمر"، يسلم "اتفاقية إعادة الهيكلة" دون أي مناقشة وما على وزير هذه الدولة إلا التوقيع "الطوعي" بغض النظر عن طبيعة مشكلات الاقتصاد في هذا البلد، والصندوق يسلم أي وزير مالية نفس برنامج الخطوات الأربعة. رغم كذب اقتصاديي الصندوق والبنك وقولهم أن هناك إستراتيجية مصممة لكل بلد فقير على حدى لمساعدتها في الخروج من أزمتها.
الخطوة الأولى: خصخصة:
يطالب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي الدولة بخصخصة الشركات والمؤسسات العامة. لتوفر الدولة أموال أكثر لدفع أعباء القروض، وماذا يحدث نتيجة لهذه الخطوة؟. في هايتي، على سبيل المثال، يعترف صندوق النقد الدولي بأن في خصخصة التعليم شهدت المدارس تدهورًا شديدًا في نوعية التعليم ونسب الحضور إلى المدرسة. على سبيل المثال، فقط 8 % من المعلمين في المدارس الخاصة (الآن 89 % في كل المدارس) لديها المؤهلات المهنية، قارن بـ 47 % في المدارس العامة. التسرب من التعليم الثانوي وصل إلى 28 % من 15 % بين 1985، 1997. وعلى الرغم من هذا، يوصي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بعمليات خصخصة أخرى في هايتي. وفي مصر خصخصة التعليم أدي إلى تسرب ملايين الأطفال من التعليم – بدأت مصر باتفاقها مع صندوق النقد الدولي عام 1991 في تطبيق برنامج لتكيف الهيكلي.
ويتخلل عملية الخصخصة فسادًا واسعًا ولهذا نحن نري لهفة شديدة من قبل السياسيين الحكوميين لخصخصة الصناعات والمؤسسات العامة، لأنهم يقومون بسرقة عشرات المليارات عند خصخصة شركات الكهرباء والمياه والاتصالات – كما في حدث في مصر عند خصخصة الشركة المصرية لتليفون المحمول حيث قام مسئولي الحكومة لحساب مبارك بسرقة عدة مليارات من تحت "التربيزة" لإرساء الصفقة على تجيب ساويرس وشركاه – معظم لجان الخصخصة التي شكلتها الحكومات قامت بسرقة بضعة مليارات من سعر البيع لصالح رؤساء الدول وبعض الوزراء الكبار. في عملية الخصخصة الأكبر في العالم التي تمت في روسيا في عهد يلتسين، شهدت خصخصة الصناعات الكبرى عام 1995 عملية فساد كبيرة. وجهة نظر الخزانة الأمريكية – التي تمتلك 51 % من البنك الدولي – تعليقًا على هذا الفساد كانت: "هذا عظيم جدًا، أردنا تجديد انتخاب يلتسن وجدد انتخابه نحن لا نهتم إذا كان فاسدًا أم لا" بالتأكيد ساعدته الأموال التي قام بسرقتها من عمليات الخصخصة في نجاحه في الانتخابات.
الخطوة الثانية: موازية ميزانية الحكومة:
يطالب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تخفض الإنفاق على الصحة، وتعليم، وحماية بيئية، لمعالجة العجز في ميزانية الحكومة بالإضافة إلى إلغاء الدعم عن السلع الرئيسية – في حالة وجوده – وإتباع سياسة التسعير على أساس السوق – هو تعبير مبهرج لرفع أسعار الغذاء، والكهرباء، والماء، والغاز، والوقود. طبقًا لجماعة أصدقاء الأرض في البرازيل، الحكومة البرازيلية ضغطت لخفض تمويل المشروعات البيئية المخطط لها من قبل بـ 50 % بعد قبول اتفاقية إنقاذ صندوق النقد الدولي لاقتصادها في 1999. وخفضت مصر الإنفاق العام من 30،7 % من الناتج القومي الإجمالي عام 81 – 1982 إلى 19،7 % في المتوسط في الفترة من 90 – 1991 إلى 94 – 1995 وفيما بين عامي 90 – 1991 و 97 – 1998 انخفضت مصر إنفاقها على التعليم من 5،7 % من إجمالي الناتج القومي إلى 4،4 % ما بين عامي 1980 و 1997 وفي الفترة ما بين 1990 و 1996 لم تتفق الحكومة على الخدمات الصحية سوي 1،8 % من الناتج القومي الإجمالي.
الخطوة الثالثة: تحرير الاقتصاد:
البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يواصلان الدفع لإزالة موانع الاستثمار والتجارة، ولتكييف اقتصاديات البلدان للاندماج في السوق العالمي. تتضمن هذه الخطوة ثلاث حركات:
1. تحرير سعر العملة المحلية أي خفضها في كل الأحوال بهدف زيادة الصادرات وإيرادات الدولة من العملات الصعبة، حتى تكون قادرة على إعادة دفع ديونها الدولية. الجماهير، على أية حال، سوف لن تستفيد بالضرورة حتى لو أدت هذه الخطوة لزيادة الصادرات. إحصائيات البنك الدولي ترى بأنة، في العديد من مناطق العالم، زيادة الصادرات لم ترتبط بالزيادة في متوسط إنفاق الفرد. على سبيل المثال، بينما حجم صادرات زاد بحوالي 4،3 % في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بين 1989 و 1998، فإن متوسط إنفاق الفرد هبط بحوالي 0،5 % خلال نفس الفترة.
2. تحرير سوق رأس المال. نظريًا يسمح هذا بتدفق الاستثمارات الأجنبية جيئة وذهابا. لكن الذي يحدث في الغالب لسوء الحظ، كما في إندونيسيا والبرازيل، تتدفق الاستثمارات في أغلب الأحيان ببساطة للخارج. يسمي أحد الاقتصاديين هذه الدورة بدورة "الأموال الهاربة". يجيء الاستثمار الأجنبي فيها للمضاربة في العقارات والعملة والبورصة، ثم يهرب في النفخة الأولي للمشكلة. احتياطات بلد بالكامل يمكن أن تنفق في أيام.
3. تحرير التجارة. أي تجارة جرة بقواعد منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي، التي على أساسها الولايات المتحدة والدول الصناعية الكبرى تسعى لإلغاء أي موانع لسلعها في أسواق دول آسيا، وأمريكا اللاتينية وأفريقيا بينما تحصن أسواقها الخاصة في مواجهة سلع هذه الدول.
الخطوة الرابعة: تحرير سوق العمل:
نشرت مؤسسات التمويل الدولية مدعومة من قبل الرأسماليين المحليين أيضًا بشكل متحمس سياسة "مرونة سوق العمالة" هي حزمة إجراءات تجعل الأمر أكثر سهولة لطرد العمال وتفوض من قدرة الاتحادات العمالية في تمثيل أعضائها. في ربيع عام 2000، شرع المشرعين الأرجنتينيين قانون جديد للعمل تحت ضغط صندوق النقد الدولي والرأسماليين لمحليين. وفي هذا السياق تسعى الحكومة المصرية لإقرار قانون العمل الموحد. المفارقة هنا أن مؤسسات التمويل الدولية في تعليقها على مطالبة بعض المؤسسات الحقوقية العمالية بضرورة نشر حقوق وأجور متساوية للعمال في كل مكان بأنهم لا يستطيعون هذا لأنه يشكل تدخلاًً في السياسات الداخلية للدول.
بالرغم من أن البنك والصندوق الدوليين نشرا سياسة التكيف الهيكلي في أكثر من 76 دولة خلال الـ 20 سنة الماضية، إلا أنهم لا يستطيعون حتى الإدعاء بأنهم أنجزوا تخفيضًا في عبء ديون العالم النامي. بين 1980 و1997، ديون البلدان منخفضة الدخل ارتفعت بحوالي 544 % وديون البلدان متوسطة الدخل ارتفعت بحوالي 481 %.
الخطوة الخامسة: انتفاضة الجماهير:
الخطوة المنسية في حسابات وسيناريو مؤسسات التمويل الدولية والرأسماليات المحلية المتوحشة المتحالفة معها خطوة الجماهير في مواجهة الدم من هذه الجماهير، أنهم يسخنون القدر بالكامل حتى ينفجر، عندما ألغت الحكومة الإندونيسية تحت ضغط صندوق النقد الدولي الإعانات للوقود والغداء التي كان يحصل عليها الفقراء في إندونيسيا في 1998. انفجرت الجماهير في إندونيسيا وأسقطت سوهارتو.
هناك أمثلة أخرى على مواجهة الجماهير لسياسة التكيف الهيكلي واجهت بالدبابات والرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع ورغم ذلك نجحت في وقف هجوم الرأسمالية المتوحشة عليها – الاحتجاجات البوليفية على رفع أسعار المياه السنة الماضية، والاحتجاجات في الإكوادور على الارتفاع في أسعار الغاز. إن مواجهة الجماهير لسياسات إفقارها متوقع زيادة حدتها في كل مكان من أسيا لأفريقيا لأمريكا اللاتينية كما يحدث في إندونيسيا وجنوب أفريقيا والأرجنتين الآن.
وعندما تنتقض الجماهير في مصر لإسقاط مبارك فإن ذلك لن يكون مفاجئًا. فسياساته المرتكزة على برنامج التكيف الهيكلي جعلت أكثر من نصف السكان دون حد الفقر.


التعليقات
علِّق