روسيا القيصرية والحرب

كان اشتراك روسيا في الحرب يحمل تناقضات عديدة في الدوافع والأهداف. والحقيقة أن الصراع الدامي كان يستهدف السيطرة العالمية؛ ولذا فقد كان أفقه يتجاوز إمكانيات روسيا. وكانت أهداف الحرب الروسية (المضائق التركية، وغاليسيا، وأرمينيا) تتمتع بأهمية نسبية، إقليمية، ولا تستطيع أن تحقق سوى حل مؤقت يستمر طيلة مدة تلاؤمه مع مصالح القوى الكبيرة المشتركة في النزاع.

وكانت روسيا في الوقت نفسه دولة كبيرة؛ وهذا ما جعلها مضطرة إلى الاشتراك في معمعة البلاد الرأسمالية الأكثر تقدمًا. كما فُرض عليها من قبل بناء المصانع والمعامل في بلادها، وتمديد السكك الحديدية، والحصول على الطائرات والبنادق سريعة الطلقات. وكثيرًا ما دخل المؤرخون الروس المُحْدَثون من أنصار المدرسة الجديدة في مناقشات طويلة حول النقطة الخاصة بمعرفة إلى أي مدى كانت روسيا القيصرية ناضجة ومؤهلة لتَبَنِّي سياسة إمبريالية حديثة. ولكن كل هذه المناقشات سقطت في فخ السكولاستيكية؛ لأنها أخذت روسيا على الأرضية العالمية وكأنها عنصر منعزل أو عامل مستقل، مع أنها كانت حلقة من جهاز كامل.

والحقيقة أن الهند اشتركت شكليًّا في الحرب نظرًا لأنها مستعمرة إنكليزية. وكان دخول الصين "الإرادي" شكلاً في الحرب عبارة عن دخول عَبْد في معركة بين السادة. وكانت طبيعة المشاركة الروسية غير محددة، أو لعلها كانت شكلاً وسطًا بين مشاركة فرنسا ومشاركة الصين. وهكذا كانت روسيا تدفع ثمن الحق بأن تكون حليفة البلاد المتقدمة، وأن تستورد رءوس الأموال وتدفع الفوائد، أي الحق بأن تكون مستعمرة متميزة من مستعمرات حلفائها، وأن تتمتع في الوقت نفسه بحق سحق تركيا وإيران وغاليسيا، ونهب غيرها من البلاد الأكثر منها تخلفًا وضعفًا. وهكذا كانت الإمبريالية البرجوازية الروسية عبارة عن عميل يعمل في خدمة الدول الكبرى العالمية.

ويقدم نظام الكومبرادوريين (الوسطاء التجاريين) في الصين الأنموذج التقليدي لبرجوازية وطنية تقوم بدور العميل بين رأس المال النقدي الأجنبي واقتصاد بلادها. فإذا ما أخذنا تسلسل الدول العالمي قبل الحرب، وجدنا أن روسيا تشغل مكانًا أهم من مكان الصين. فما هو المكان الذي كان على روسيا أن تحتله بعد الحرب لو لم تندلع الثورة؟ إن هذا سؤال آخر. ولكن الحكم الروسي المطلق والبرجوازية الروسية اتسما بكثير من صفات الكومبرادورية؛ إذ كانا يعيشان بفضل علاقتهما مع الإمبريالية الأجنبية، ولا يستطيعان البقاء والاستمرار دون الاعتماد عليها. علمًا بأنهما لم يستطيعا في النهاية المقاومة رغم دعمهما. وكانت للبرجوازية الروسية نصف الكومبرادورية الممولة من الخارج مصالح إمبريالية عالمية، وكان مثلها في ذلك كمثل العميل الذي يهتم بمصالح رئيسه بغية الحصول على النسبة المئوية الصغيرة المخصصة له.

والجيش أداة الحرب الأساسية. وتقول الأساطير الوطنية لكل أمة من الأمم أن جيشها صامد لا يغلب، ولم يكن عند الطبقات الحاكمة في روسيا ما يدفعها إلى استثناء جيش القيصر من هذا الوصف. والحقيقة أن هذا الجيش لم يكن يشكل قسوة فعَّالة إلا ضد الشعوب نصف البربرية، والجيران الضعاف، والدول السائرة على طريق التحلل. ولم يكن هذا الجيش قادرًا على العمل فوق الأرض الأوروبية إلا كجزء من تحالفات كبيرة. كما لم يكن مؤهلاً للدفاع عن البلاد إلا إذا اعتمد على سعة المساحات، وندرة السكان، وانعدام صلاحية الطرقات. وكان سوفوروف مُبدع جيش الموجيك الأقنان. وجاءت الثورة الفرنسية التي فتحت الأبواب واسعة أمام مجتمع جديد وفن عسكري حديث، وقدمت حكمها القاطع ضد جيش سوفوروف.

وأدى الإلغاء النصفي للقنانة، وتطبيق الخدمة العسكرية الإلزامية، إلى تحديث الجيش والبلاد، وأدخلا إلى الجيش كافة صراعات أمة لم تقم بثورتها البرجوازية بعد. والحقيقة أن بناء الجيش القيصري وتسليحه كانا يجريان وفق الأساليب الغربية، ولكن هذه الأساليب كانت تلامس الشكل لا المحتوى. ولم يكن هناك أي رباط بين المستوى الثقافي الذي يحمله الفلاح الجندي، ومستوى التقنية العسكرية الحديثة. وكان الجهل المُطبق والكسل وتفاهات الطبقات المسيطرة الروسية سائدة وسط مجموعة الضباط. وظهرت الصناعة والمواصلات عاجزة عن تلبية حاجات زمن الحرب المتزايدة، وبدت الجيوش في أيام الصراع الأولى مستعدة كما ينبغي، ثم لم تلبث القطاعات العسكرية أن وجدت نفسها محرومة من الأسلحة والأحذية أيضًا. وكان الجيش القيصري قد كشف عن حقيقة قيمته خلال الحرب الروسية - اليابانية. وفي فترة الثورة المضادة عملت الملكية بمساعدة الدوما على إملاء مستودعاتها الحربية، وأجرَت في الجيش عدة إصلاحات، وعملت ما في وسعها لإعطائه صفة الجيش الذي لا يُقهر. وجاءت الحرب في عام 1914 لتتحقق من قوة هذا الجيش بصورة جد أليمة.

ومنذ الضربة الأولى وجدت روسيا نفسها تابعة لحلفائها بشكل ملحوظ في مجال المعدات الحربية والتمويل. ولم يكن هذا الأمر سوى امتداد لتبعية روسيا العامة بالنسبة للبلاد الرأسمالية الأكثر تقدمًا. ولكن مساعدات الحلفاء لم تنقذ الموقف. وكانت قلة الذخيرة، وصِغر عدد المصانع التي تقدمها، وامتداد شبكة السكك الحديدية اللازمة لتوزيعها، تترجم حالة التخلف الروسية بلغة الهزائم الواضحة التي ذَكَّرت الوطنيين – الليبراليين بأن أسلافهم لم يقوموا بثورتهم البرجوازية، وأن على الأجيال اللاحقة أن تسدد دين أسلافها أمام التاريخ.

وكانت أول أيام الحرب هي أول أيام العار. وبعد عدد من الكوارث الجزئية، قامت القوات الروسية بانسحاب عامٍ في ربيع 1915. وانتقم الجنرالات من السكان المدنيين ليُخفوا عجزهم الإجرامي. واجتاحت موجة العنف مناطق واسعة من البلاد. وتم طرد الجراد البشري نحو المؤخرة تحت ضربات سوطٍ جلدي. وجاءت المأساة في الداخل لتكمل المأساة على الجبهة.

ولقد رد وزير الحربية الجنرال بوليفانوف على أسئلة زملائه القلقة عن الوضع في الجبهة فقال: "إنني أثق بسعة مساحة بلادنا، واعتمد كل الاعتماد على وَحلها الذي لا يمكن اجتيازه، كما التجئ إلى رحمة القديس نيقولا سيد روسيا المقدسة" (محضر اجتماع مجلس الوزراء في 4 أغسطس –آب– 1915). وبعد 8 أيام اعترف الجنرال روسكي أمام الوزراء بقوله: "إن المتطلبات الحديثة للتقنية العسكرية أكبر من إمكاناتنا. وليس بوسعنا منافسة الألمان في أية حال من الأحوال". ولم يكن هذا نوعًا من المزاح. فلقد ذكر الضابط ستانكيفيتش بأن قائد إحدى وحدات المهندسين ذكر أمامه ما يلي: "أن الحرب ضد الألمان بلا أمل. لأننا عاجزون عن القيام بأي شيء مهما كان نوعه. وتسبب أساليب القتال الجديدة لنا كثيرًا من النكسات". وهناك كثير من الأحاديث والشهادات المماثلة.

ولكن كافة الجنرالات الروس اتفقوا على شيء واحد، هو أن على البلاد أن تقدم أكبر قسط من طعام المدافع (الرجال). وكان الجميع يحرصون على الثور والخنزير أكثر من حرصهم على بني البشر. وكان التافهون القابعون في قمة القيادة العامة مثل: يانوشكيفيتش تحت قيادة شقيق القيصر نيقولا نيقولا ييفيتش، والكسييف تحت قيادة القيصر نفسه، يسدون كافة الثغرات بدعوة مزيد من القوات. ويجدون مع حلفائهم العزاء في النظر إلى أرتال الأرقام على حين كانت البلاد بحاجة لأرتال المقاتلين. وعبَّأت روسيا حوالي 15 مليون رجل، غصت بهم المستودعات والثكنات والمعسكرات. وكانت هذه الجموع المضطربة تراوح في مكانها ويدوس بعضها على أقدام البعض الآخر. وكان معظم الجنود عبارة عن مجموعة هائلة مضطربة ثائرة غاضبة. وكانت هذه الجموع بالنسبة للجبهة قيمة موهومة، ولكنها كانت في المؤخرة عاملاً فعالاً من عوامل الفوضى. وخسرت روسيا حوالي 5 ملايين و500000 ألف رجل بين قتيل وجريح وأسير. وتزايد عدد الهاربين من الجيش بشكل ملحوظ. ومنذ يوليو (تموز) 1915، أخذ الوزراء يتذمرون بأسى قائلين: "مسكينة روسيا! إن جيشها الذي ملأ أسماع العالم من قبل برعد انتصاراته، لم يعد يضم سوى الجبناء والهاربين!".

وكان الوزراء أنفسهم يمزحون بأسلوبهم السخيف فيتحدثون عن "شجاعة الجنرالات في القتال التراجعي" ولكنهم يضيعون ساعات طوال في جدل عقيم يدور حول المسألة التالية: "هل ينبغي إخلاء آثار القديسين الموجودة في كييف أم لا؟ إن القيصر يرى بأن هذا عمل غير ضروري؛ "إذ لن يجرؤ الألمان على لمسها. فإذا ما فعلوا ذلك، تعرضوا من جراء ذلك لأذى عميم!"، ولكن مجلس الكنيسة الأرثوذوكسية الأعلى في روسيا وافق من قبل على مثل هذا الإخلاء عندما قال: "وسنأخذ عند ذهابنا أعز ما لدينا..."، ولم تجر هذه المناقشات في عصر الحروب الصليبية، ولكنها جرت في القرن العشرين، عندما كان العالم يسمع أخبار الهزائم الروسية من المذياع.

ويعود الفضل في انتصارات روسيا على الإمبرطورية النمساوية - الهنغارية إلى ضعف هذه الإمبراطورية لا إلى قوة روسيا. وكانت أسرة هايسبورغ المتفتتة قد اعترفت منذ أمد بعيد بأنها بحاجة لمن يحفر لها قبرها، ولم تطالب بأن يكون لحدها فخمًا مهيبًا. وكانت روسيا متفوقة من قبل على الدول السائرة على طريق التحلل مثل: تركيا وبولونيا وإيران. وحققت القوات الروسية في الجبهة الجنوبية الغربية المقابلة للقوات النمساوية – الهنغارية انتصارات باهرة ميزت هذه الجبهة عن غيرها من الجبهات. وهنا برز عدد من الجنرالات الذين لم يبرهنوا بأية حال من الأحوال على قدراتهم القتالية، ولكنهم لم يكونوا مع ذلك مشبعين بروح القدرية التي تميز دائمًا القادة المهزومين. ولقد خرج من هذا الوسط فيما بعد، بعض "الأبطال" البيض الذين عرفتهم معارك الحرب الأهلية.

وكان الجميع يبحثون عمن يتحمل المسئولية؛ ووجهت تهمة التجسس إلى اليهود بلا استثناء، وألقي القبض على من تحمل عائلتهم اسمًا ألمانيًا. وأعطى مقر قيادة شقيق الملك نيقولا نيقولا ييفيتش أمرًا بإعدام العقيد الدركي مياسوييدوف نظرًا لأنه جاسوس ألماني–ولعله لم يكن كذلك- واعتقل وزير الحربية سوخوملينوف، وهو شخصية تافهة متخلفة، ووجهت إليه تهمة الخيانة العظمى، وقد يكون لهذا الاتهام بعض الأساس. وأعلن وزير الخارجية البريطاني السير إدوارد غري أمام رئيس الوفد البرلماني الروسي، بأن حكومة القيصر تصرفت بطيش وتسرع عندما قررت اتهام وزير الحربية بالخيانة العظمى خلال الحرب.

ووجهت القيادة العليا والدوما إلى البلاط الملكي تهمة ممالأة الألمان. وكان كل هؤلاء يغارون من الحلفاء ويكرهونهم. وكان القائد الفرنسي يحافظ على جنوده بأن يعرض الجنود الروس للصدمة الأولى. ولم تتحرك بريطانيا إلا ببطء بالغ. وكان الجميع يرددون في صالونات بتروغراد، ومقرات القيادة في الجبهة نكاتًا بريئة مثل: "لقد أقسمت إنكلترا على الصمود حتى آخر نقطة دم... من دماء الجندي الروسي". وكانت مثل هذه النكات تتسلل إلى المستويات الدنيا، وتنعكس على الجبهة. وكان الوزراء والنواب والجنرالات والصحفيون يقولون: "كل شيء للحرب!" فأخذ الجندي القابع في الخندق يقول لنفسه: "نعم، إنهم مستعدون للقتال حتى آخر قطرة.. من دمي".

وأصيب الجيش الروسي خلال الحرب بخسائر لم يتعرض لها أي جيش آخر من الجيوش المشتركة في المذبحة؛ إذ فقد الروس مليونين و500000 قتيل، أي 40٪ من مجموع خسائر جيوش الحلفاء كلها. وكان الجنود يتساقطون في الأشهر الأولى تحت القذائف دون تفكير أو تردد. ثم تزايدت خبرتهم يومًا بعد يوم. وكانت خبرة مُرَّة أحست بها الطبقات الدُنيا التي لم تكن القيادة قادرة على توجيهها. وكان الجنود يقيسون مدى الفوضى التي يخلقها الجنرالات بمقياس عملي هو طول المسيرات والمسيرات المعاكسة غير المُجدية بأحذية مهترئة النعال، وعدد وجبات الطعام التي يخسرونها. ووسط الانهيار الدامي للرجال والأشخاص، ارتفعت كلمة واحدة تفسر كل شيء وهي: "يا للسخف!". وأخذ هذا التعبير في لغة الجندي شكلاً أكثر حدة.

وكان التفتت في سلاح المشاة المشكل من الفلاحين أكبر من التفتت في أي مكان آخر. أما المدفعية التي تضم نسبة كبيرة من العمال الصناعيين، فقد كانت تتميز عن غيرها من الأسلحة بارتفاع مستوى قدرتها على استيعاب الأفكار الثورية؛ ولقد رأينا ذلك بوضوح في عام 1905. ولكن هذه المدفعية كانت في عام 1917 أشد محافظة من المشاة، ويرجع السبب في ذلك إلى انضمام جماهير بشرية محدودة الثقافة باستمرار إلى كوادر المشاة، على حين حافظت المدفعية على كوادرها القديمة نظرًا لعدم تعرضها لخسائر جسيمة. وتنطبق هذه الملاحظة على كافة الأسلحة الخاصة. ثم لم تلبث المدفعية أن بدأت بالخضوع في نهاية المطاف.

وخلال انسحاب غاليسيا أصدر القائد الأعلى تعليمات سرِّية تقتضي بجلد الجنود الهاربين أو الذين يرتكبون جرائم أخرى. ويقول الجندي بيريكو في مذكراته: "وكانوا يضربون الرجال لأقل ذنب؛ كغياب عدة ساعات من غير إذن، وكانوا يمارسون الجلد أحيانًا لرفع معنويات القطعة!". وفي 17 سبتمبر (أيلول) 1915، كتب كوروباتكين مستشهدًا بـ غوتشكوف: "لقد بدأ الجنود وضباط الصف الحرب بكل حماس، ولكنهم الآن محطمون، وأدَّى قتالهم التراجعي الطويل إلى فقدان إيمانهم بالنصر". وفي مثل هذا التاريخ تقريبًا، تحدث وزير الداخلية عن 30 ألف جندي يقضون فترة النقاهة في موسكو فقال: "إنهم عناصر فوضوية تثور ضد كل انضباط، وتثير الفضائح، وتتشاجر مع رجال الشرطة (ولقد قتل الجنود مؤخرًا أحد رجال الشرطة) الذين يضطرون إلى إخلاء سبيل من يقبضون عليهم، ...إلخ. ومن المؤكد أن وقوع أية اضطرابات سيدفع هذه العصابة إلى الوقوف مع الجماهير". ويكتب الجندي بيريكو المذكور آنفًا ما يلي: "ويهتم الجميع بلا استثناء بشيء واحد هو السلام... ولم يكن الجيش ليتساءل من سيكون المنتصر؟ وماذا سيقدم هذا السلام؟ ولكنه كان يود الوصول إلى هذا السلام بأي ثمن. بعد أن أنهكته الحرب".

وكانت الممرضة س. فيدور تشينكو قوية الملاحظة، وعندما التقطت بعض أحاديث الجنود اكتشفت حقيقة أفكارهم، وسجلتها على الورق، ونجم عن ذلك كتيب يسمى "الشعب والحرب". ويسمح لنا هذا الكتيب بإلقاء نظرة خاصة على المخبر الكبير الذي تؤثر فيه القنابل اليدوية، والأسلاك الشائكة، والغازات الخانقة، ودناءات السلطة خلال أشهر طويلة على وعي عدة ملايين من الفلاحين الروس. وتُسحق فيه عظام الكائنات البشرية مع الأفكار المسبقة المعروفة منذ قرون. وكان كثير من الحِكَم الغريبة التي أطلقها الجنود تحمل في أعماقها شعارات الحرب الأهلية المقبلة.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 1916 اشتكى الجنرال روسكي من أن ريغا كانت نقطة الضعف في الجبهة الشمالية. ورأى أنها تشكل مثل دفينسك "عشًّا من أعشاش الدعاية". وأكد الجنرال بروسيلوف هذا الحكم عندما أشار إلى أن: القوات العائدة من قطاع ريغا كانت تحمل معنويات محطمة، وكان الجنود يرفضون المشاركة بالهجوم، كما قتلوا أحد النقباء بحراب بنادقهم، وكان من الضروري إعدام عدد من الرجال رميًّا بالرصاص، ...إلخ. أما رودزيانكو، المتصل مع أوساط الضباط، والذي زار الجبهة فإنه يعترف بما يلي: "لقد كانت الأرض الملائمة لتفتت الجيش بشكل نهائي موجودة قبل اندلاع الثورة بأمد بعيد".

وكانت العناصر الثورية في بداية الأمر مبعثرة، غارقة وسط الجيش دون أن تترك وراءها أي أثر. ولكن مع تزايد النقمة العامة صعدت هذه العناصر إلى السطح. وعندما أرسلت السلطات العمال المضربين إلى الجبهة بغية معاقبتهم انضباطيًّا، تقوت صفوف المحرضين، وجاءت حركات الجيش التراجعية لتزيد عدد من يستمعون إليهم. وأعلنت الأوخرانا(1) في أحد تقاريرها ما يلي: "ويضم الجيش في المؤخرة، وعلى خطوط الجبهة بصورة خاصة عناصر متعددة، قد يستطيع بعضها القيام بدور فعَّال في أي عصيان، كما يستطيع البعض الآخر رفض المشاركة في القمع..." وفي أكتوبر (تشرين الأول) 1916، اعتمدت إدارة درك منطقة بتروغراد على تقرير أحد ممثلي سلطة اتحاد الزيمستفو وأرسلت تقريرًا يتحدث عن أن الحالة الفكرية السائدة داخل الجيش خطيرة تثير القلق. وأن العلاقات بين الضباط والجنود متوترة إلى حد بعيد، وأنه كثيرًا ما وقعت بينهم صِدامات دامية، وأن الهاربين من صفوف الجيش يعدون بالآلاف وينتشرون في كل مكان، "إن كل من عاش على مقربة من الجيش يحمل انطباعًا عميقًا صادقًا عن تدهور معنويات الوحدات العسكرية"، وزيادة في الحيطة والحذر أضاف واضعو التقرير بأنه إذا ما بدت بعض جوانب هذه المعلومات غريبة لا تصدق، فإن من الضروري تصديقها، خاصة وأن عددًا كبيرًا من الأطباء العائدين من الجبهة قدموا معلومات مماثلة.

وكانت الحالة المعنوية في المؤخرة متماثلة مع الحالة المعنوية السائدة في الجبهة؛ ففي مؤتمر حزب الكاديت المنعقد في أكتوبر (تشرين الأول) 1916 أشار معظم المندوبين إلى التقاعس وانعدام الإيمان بالنصر "عند كافة شرائح الشعب، وخاصة في الريف، ووسط الطبقة الفقيرة من سكان المدن". وفي 30 أكتوبر (تشرين الأول) أوجز مدير إدارة الشرطة عددًا من التقارير بتقرير واحد كتب فيه: "ويلاحظ في كل مكان، ولدى كافة شرائح الشعب نوعًا من التقاعس الناجم عن الحرب، ورغبة جامحة بالسلام مهما كانت شروط هذا السلام...".

وبعد عدة شهور، أجمع كافة النُوَّاب، ورجال الشرطة، والجنرالات، وزعماء سلطة الزيمستفو، والأطباء، ورجال الدرك القدامى على أن الثورة قتلت الروح الوطنية داخل صفوف الجيش. وأكد هؤلاء السادة أن البلاشفة حرموهم من تحقيق نصر محقق أكيد.

* * *

ولقد لعب الكاديت (الدستوريون - الديموقراطيون) دون شك دور المنشدين الأساسيين في جوقة الوطنيين دعاة الحرب. وكانت الليبرالية قد قطعت علاقاتها المعقدة مع الثورة منذ نهاية عام 1905، فما أن بدأت حقبة الثورة المضادة حتى رفعت لواء الإمبريالية. وكان هذا الموقف الجديد نتيجة للموقف الأول؛ فطالما أن من المستحيل تخليص البلاد من آثار الإقطاع القديمة، ووصول البرجوازية إلى موقف الطبقة المسيطرة، فإن من الضروري عقد تحالف مع الملكية وطبقة النبلاء بغية تحسين وضع رأس المال الروسي في السوق العالمية. وإذا كان من المؤكد أن الكارثة العالمية قد أعدت من كل جانب، لدرجة أنها فاجأت إلى حد ما أكثر منظميها تحملاً للمسئولية، فإن من المؤكد أيضًا أن الليبرالية الروسية لعبت في إعداد هذه الكارثة دور محرك السياسة الخارجية الملكية، ولم تكن في الصف الأخير أبدًا.

ولقد اعترف زعماء البرجوازية الروسية بمحض إرادتهم بأن حرب 1914 كانت حربهم الخاصة. ففي 26 يوليو (تموز) 1914، وخلال اجتماع حافل لدوما الدولة، صرح رئيس مجموع الكاديت بما يلي: "إننا لا نقدم شروطًا أو مطالب، ولكننا نلقي في كفة الميزان بكل إرادتنا الحازمة للانتصار على العدو"، وأصبح التحالف المقدس في روسيا عقيدة رسمية. وخلال الاحتفالات الوطنية التي جرت في موسكو، تحدث رئيس التشريفات الكونت بينكيندورف أمام الدبلوماسيين فقال: "حسنًا، فهل هذه هي الثورة التي توقع الجميع اندلاعها في برلين؟". وأردف السفير الفرنسي باليولوغ مؤيدًا: "ويبدو أن مثل هذه الفكرة استحوذت على جميع الحاضرين". وكان هؤلاء الأشخاص يعتقدون أن من واجبهم بذر وتغذية الأوهام، في وقت كان عليهم به أن لا يخدعوا أنفسهم.

ولم تلبث الدروس اللازمة لتبديد هذه النشوة أن ظهرت، فبعد بداية الحرب بفترة وجيزة تحدث المحامي روديتشيف –وهو إقطاعي من أكبر غلاة حزب الكاديت وأشدهم تعصبًا– أمام اللجنة المركزية لحزبه فقال: "ولكن هل تعتقدون أن بوسعنا تحقيق النصر بمثل هؤلاء الحمقى؟" وأثبتت الأحداث تعذر الانتصار إذا ما تربَّع الحمقى في سدة القيادة. ولما فقدت الليبرالية أكثر من نصف أملها بالنصر، فكرت باستغلال الوضع الناجم عن الحرب بغية تطهير البلاط، وإجبار الملكية على تقديم بعض التنازلات. وكان سلاحها الأساسي في هذه العملية اتهام حزب البلاط بممالأة الألمان والسعي لعقد صلح منفرد.

وفي ربيع 1915، وعندما كانت القطاعات المجردة من السلاح تنسحب على طول خط الجبهة، قررت الأوساط الحكومية العليا تحت إلحاح الحاجة وضغط الحلفاء، التوجه إلى الصناعة بغية تأمين متطلبات الجيش. وعقد لهذا الغرض مؤتمر خاص ضم البيروقراطيين وأكبر الصناعيين وأكثرهم تأثيرًا. وأصبحت اتحادات الزيمستفو والمدن التي خلقت في بداية الصراع، ولجان الصناعات الحربية المشكلة في ربيع عام 1915 نقاط استناد البرجوازية في نضالها من أجل النصر والسلطة. واعتمد مجلس دوما الدولة على هذه التنظيمات، فبدأ يتصرف بجرأة متزايدة كوسيط بين البرجوازية والملكية.

ولم تستطع الآفاق السياسية الواسعة تحويل الأنظار عن المعضلات الكبيرة الملحة. وبناء على مقترحات المؤتمر وزعت عشرات ومئات ملايين الروبلات، وفق قنوات متشعبة لتمويل الصناعة، واستفاد خلال عملية التوزيع عدد كبير من الأشخاص، وارتفعت الأرقام إلى الميارات، وعلم الرأي العام عن طريق الصحافة ومجلس دوما الدولة ببعض الأرباح الناجمة عن الحرب في فترة 1915 – 1916. وارتفعت أرباح شركة النسيج التي تمتلكها عائلة تريايوشينسكي -وهي عائلة ليبرالية موسكوفية- بمعدل 75٪، كما ارتفعت أرباح شركة المانيفاتورة تفير بنسبة 111٪، وبلغت أرباح شركة كولتشوغين لصناعة النحاس 12 مليونًا من الروبلات خلال سنة واحدة، مع أن رأس مال الشركة لم يكن يتجاوز عشرة ملايين. وهكذا كانت الوطنية تنال في هذا المجال مكافأة مجزية فورية دون إبطاء.

وبلغت مختلف أشكال التلاعب ومضاربات البورصة ذروتها، وارتفعت الثروات الضخمة على بحر من الدم. وأحست العاصمة بنقص الخبز والمحروقات، ولكن هذا لم يمنع محل المجوهرات فابيرجيه –المختص ببيع المجوهرات للبلاط الإمبراطوري– من أن يعلن على رءوس الأشهاد بأنه حقق أرباحًا لم يعرفها من قبل. ولقد أعلنت فيروبوفا وصيفة الشرف الإمبراطورية بأن البلاد لم تشهد فترة كشتاء 1915 – 1916 تم فيها طلب هذه الكمية من الألبسة الفخمة، وشراء مثل هذا العدد من المجوهرات. وكانت الملاهي الليلية تغص بأبطال المؤخرة، والمتقاعسين، أي بأشخاص محترمين لا يسمح لهم سنهم بالذهاب إلى الجبهة، ولكنهم يحتفظون بقسط من الشباب يسمح لهم بممارسة حياة مرحة. ولم يكن أشقاء القيصر يتخلفون عن المشاركة في الوليمة المقدمة في زمن الطاعون (*). ولم يكن هناك من يحجم عن التبذير على نطاق واسع. وكانت أمطار ذهبية تتهاطل من علٍ بلا توقف. وكان المجتمع الراقي يمد يديه، ويفتح جيوبه كي "يقبض"، وكانت السيدات الأرستوقراطيات ترفعن أذيال أثوابهن على قدر المستطاع، وكان الجميع يسيرون في وحل مخضب بالدماء. أما أصحاب المصارف، والمدراء، والصناعيون، وراقصات الباليه المرتبطات بالقيصر وأخوته، ورجال الكنيسة الأرثوذكسية، وسيدات البلاط وآنساته، والنواب الليبراليون، وجنرالات الجبهة والمؤخرة، والمحامون الراديكاليون، وكبار المنافقين من الجنسين، وعدد لا يحصى من الأقارب وأبناء الأخوة والأخوات وبناتهم، فكانوا كلهم يحاولون البلع والسرقة بعجلة خوفًا من رؤية نهاية الأمطار الذهبية المرغوبة. ويرفضون بكل ازدراء فكرة تحقيق السلام قبل الأوان.

وأدت الأرباح المشتركة، والهزائم الخارجية، والأخطار الداخلية، إلى قيام تقارب وثيق بين أحزاب الطبقات المالكة. أما مجلس الدوما الذي انقسم على نفسه عشية الحرب، فقد وجد في عام 1915 غالبيته المعارضة الوطنية التي أخذت اسم "الكتلة التقدمية". وكان الهدف الرسمي المعلن لهذه الكتلة: "تلبية مطالب الحرب". ولم يدخل في هذه الكتلة من أحزاب اليسار الاشتراكيون – الديمقراطيون، وحزب العمال. كما لم يدخل من أحزاب اليمين المجموعات الصغيرة الشهيرة مثل: المائة السود (الرجعية إلى أبعد حد ممكن). وضمت الكتلة كافة المجموعات الأخرى الممثلة في مجلس الدوما مثل: الكاديت، والتقدميين، ومجموعات الأكتوبريين الثلاث، والوسط، وجزء من الوطنيين. وانضمت إليها كافة المجموعات الوطنية: البولونية، والليتوانية، والإسلامية، واليهودية، وغيرها.

وخافت الكتلة من إثارة سخط القيصر، فلم تطلب منه وزارة مسئولة، بل طالبت "بحكومة موحدة مؤلفة من شخصيات تتمتع بثقة البلاد". ومنذ ذلك الحين وصف وزير الداخلية الأمير شتشيرباتوف هذه الكتلة بأنها مجموعة مؤقتة، أو "تحالف منبثق عن الخوف من اندلاع ثورة اجتماعية". ولم يكن فهم هذا الحكم بحاجة لفهم كبير. فلقد صرح ميليوكوف رئيس حزب الكاديت، ورئيس كتلة المعارضة، في أحد اجتماعات حزبه بما يلي: "إننا نسير على بركان... فلقد وصل التوتر إلى أعلى درجاته... ويكفي أن يلقي أحدهم عود ثقاب عن غير قصد حتى ينجم عن ذلك حريق رهيب... ومهما كانت السلطة –سيئة كانت أم جيدة– فإن السلطة الحازمة ضرورية اليوم أكثر من أي وقت مضى".

وتزايد الأمل بأن يضطر القيصر تحت إلحاح الكوارث وضغوطها إلى تقديم عدد من التنازلات، حتى ظهر في الصحافة الليبرالية خلال شهر أغسطس (آب) لائحة تضم مسبقًا أسماء "وزارة الثقة" وأشارت بعض الصحف إلى أن رئاسة الوزارة ستسند إلى رودزيانكو (رئيس الدوما) ولكن البعض الآخر توقع أن يكون رئيس الوزراء الأمير لفوف (رئيس اتحاد الزيمستفو)، وأن يكون غوتشكوف وزيرًا للداخلية، وميليوكوف وزيرًا للخارجية، ...إلخ. وسنرى كيف أن معظم هذه الشخصيات التي عيّنت نفسها للتحالف مع القيصر ضد الثورة، شاركت بعد 18 شهرًا في حكومة أطلق عليها اسم الحكومة "الثورية". وهذه سخرية من سخريات التاريخ. ولكن المزحة لم تدم طويلاً في الحقبة التي نتحدث عنها.

وكان خوف معظم وزراء غوريميكين من تطور الأحداث لا يقل عن خوف الكاديت؛ ولذا برز بينهم ميل للتفاهم مع الكتلة التقدمية. وفي أغسطس (آب) 1915 تحدث الأمير شتشيربانوف عن الوزارة التي يشغل فيها منصب وزير الداخلية فقال: "إن حكومة لا تتمتع بثقة السلطة الملكية، أو الجيش، أو المدن، أو الزيمستفو، أو النبلاء، أو التجار، أو العمال عبارة عن حكومة عاجزة لا عن العمل فحسب، بل عن البقاء أيضًا. والحماقة في تشكيلها واضحة جلية". وتحدث سازونوف عن هذا الأمر فقال "إذا ما تمت قيادة الأمور بشكل ملائم. وإذا ما فتحنا منفذًا ملائمًا، كان الكاديت أول الباحثين عن اتفاق معنا. إن ميليوكوف بورجوازي حقيقي، وهو يخشى الثورة الاشتراكية أكثر من أي شخص آخر. وبالإضافة إلى ذلك، فإن غالبية الكاديت ترتعد خوفًا على رءوس أموالها".

وقدر ميليوكوف أن على الكتلة التقدمية "أن تقدم بدورها بعض التنازلات". وهكذا ظهر الطرفان على استعداد للمساومة. واعتقد الكثيرون أن الأمور ستسير على غير ما يرام، ولكن رئيس مجلس الوزراء غوريميكين البيروقراطي الجليل القدر –والعجوز الوقح القاسي المُقامر الذي لم يكن يهتم بالسياسة إلا بين جولتين من جولات المقامرة، ويرفض كل شكوى قائلاً بأن الحرب "لم تعد تهمه"– ذهب في يوم 19 أغسطس (آب) إلى مقر القيادة العليا ليقابل القيصر، ويقدم له تقريرًا، ثم عاد من مقر القيادة العليا ليُعلن بأن على كل فرد أن يبقى في مكانه، باستثناء مجلس دوما الدولة الذي تبجح أكثر مما ينبغي، والذي سيعلق اجتماعه في 3 سبتمبر (أيلول). ولم يلق إعلان بيان القيصر الذي ينص على تأجيل اجتماع الدوما أية معارضة؛ وصرخ النواب بصوت واحد: "هورا من أجل القيصر" ثم تفرقوا.

لقد اعترفت الحكومة القيصرية بنفسها بأنها لا تملك أي دعم أو تأييد، فكيف استطاعت الصمود بعد ذلك أكثر من 18 شهرًا؟ لا شك في أن النجاحات المؤقتة التي حققها الجيش الروسي أثَّرت في هذا الصدد تأثيرًا زاد من قوته وجود الأمطار الذهبية المجزية. ولم تلبث النجاحات على الجبهة أن توقفت، ولكن المكاسب على المؤخرة استمرت. ويرجع السبب الرئيسي في تدعيم الملكية قبل انهيارها بسنة كاملة إلى تباين أسباب سخط الشعب. ويقول رئيس الأمن العام في موسكو في أحد تقاريره بأن البرجوازية تتطور نحو اليمين؛ نظرًا "لأنها تتوقع تزايد الميول الثورية بعد الحرب". وهكذا نرى كيف كان الجميع لا يتوقعون اندلاع الثورة خلال الحرب. وكان من أشد الأمور التي أنذرت الصناعيين "وقوف عدد من قادة لجان الصناعات الحربية إلى جانب البروليتاريا بدافع الحذلقة". ولتلخيص كل ما قلنا نذكر أن العقيد الدركي مارتينوف الذي قرأ الكتب الماركسية بحكم وظيفته، وتفهمها بشكل جيد، أعلن أن بعض تحسن الموقف يعود إلى "التباين المتزايد بين الطبقات الاجتماعية. ذلك التباين الذي يكشف وجود تناقضات حادة في المصالح الخاصة، التي أخذت تظهر في المرحلة الحاضرة بكل وضوح".

وكان تأجيل اجتماع مجلس الدوما في سبتمبر (أيلول) 1915 تحديًا مباشرًا موجهًا إلى البرجوازية لا إلى العمال، ولكن في الوقت الذي تفرق فيه الليبراليون وهم يهتفون (بدون حماس كبير) "هورا من أجل القيصر" رد عمال بتروغراد وموسكو بإضرابات احتجاجية. وكان هذا "دُشًّا" باردًا جديدًا انهمر على رأس الليبراليين؛ إذ أن أخشى ما كانوا يخشونه هو تدخل طرف ثالث في نزاعهم الثنائي الداخلي مع الملكية. ولكن ماذا عليهم أن يفعلوا بعد ذلك؟ وتحت تأثير همهمة الجناح اليساري واحتجاجاته البسيطة قررت الليبرالية اختيار موقف مجرَّب من قبل: وهو البقاء في موقف الشرعية مهما كلف الأمر، وحمل أعباء الأعمال الوطنية لإفقاد البيروقراطية جزءًا من أهميتها، وجعلها جهازًا "بلا جدوى". وكان على الليبرالية على كل حال التخلي عن لائحة الوزارة الليبرالية التي طرحتها من قبل.

وتفاقم الوضع بعد ذلك بصورة آلية، ودُعي مجلس الدوما إلى الاجتماع من جديد في مايو (أيار) 1916. ولم يكن هناك من يستطيع تحديد فائدة هذا الاجتماع، ولم يكن مجلس الدوما، على كل حال، راغبًا بالمناداة بالثورة. كما لم يكن لديه ما يقوله أصلاً. ويقول رودزيانكو في مذكراته: "وكانت الجلسات خلال هذه الدورة خاملة لا حياة فيها، وكان النواب غير متحمسين لواجبهم... وبدا الصراع المستمر بلا جدوى؛ إذ لم تكن الحكومة راغبة بسماع أي شيء، وتزايدات الفوضى يومًا بعد يوم، وكانت البلاد تسير إلى حتفها". وهكذا كان خوف البرجوازية من الثورة، وعجزها المطلق إذا لم تندلع الثورة عاملاً ساعد الملكية، وأمَّن لها سندًا اجتماعيًّا طوال عام 1916.

وتزايد تدهور الموقف مع قدوم الخريف، وأحس الجميع بكل وضوح بأن الحرب غدت بلا أمل، وأصبحت نقمة الجماهير تهدد بالانفجار في كل لحظة. واستمر الليبراليون في هجومهم السابق على حزب البلاط واتهامهم له "بممالأة الألمان"، ولكنهم رأوا في الوقت نفسه أن عليهم سبر الموقف بعناية، كيما يروا إمكانية الوصول إلى السلم، خاصة وأنهم كانوا يعدون أنفسهم للمستقبل. وهذا ما يفسر المفاوضات التي جرت في ستوكهولم، خلال خريف 1916، بين النائب بروتوبوبوف أحد زعماء الكتلة التقدمية، والدبلوماسي الألماني فوربورغ.

وأحس وفد مجلس الدوما خلال زياراته الودية إلى فرنسا وإنكلترا أن الحلفاء الأعزاء ينوون استنزاف كافة القوى الروسية الحية خلال الحرب، وجعل هذه البلاد المتخلفة بعد الانتصار حقلاً أساسيًّا للاستغلال الاقتصادي. وكان المصير الذي ينتظر روسيا المحطمة السائرة وراء الحلفاء هو أن تصبح بعد النصر مستعمرة لحلفائها؛ ولذا لم يكن أمام الطبقات المالكة في روسيا سوى أن تحاول التخلص من القيود الشديدة التي تربطها مع دول التحالف، والبحث عن طريقها الخاص نحو السلام، مستخدمة خلاف الخصمين الهائلين. وكان لقاء رئيس وفد مجلس الدوما مع الدبلوماسي الألماني أول خطوة على هذا السبيل. وكان لهذه الخطوة معنيان؛ فهي تهديد للحلفاء يستهدف الحصول على مزيد من التنازلات؛ وعملية سبر تحاول اكتشاف الإمكانيات الفعلية للتقارب مع ألمانيا. ولم يتصرف بروتوبوبوف ببداهته، بل حصل مسبقًا على موافقة الدبلوماسية القيصرية؛ (إذ تم اللقاء بوجود سفير روسيا في السويد)، بالإضافة إلى موافقة كافة أعضاء وفد مجلس دوما الدولة.

وبالإضافة إلى ذلك، فقد كان الليبراليون يبغون من هذا الاستطلاع تحقيق أهداف داخلية كبيرة الأهمية، فلقد قالوا للقيصر بكل صراحة: سلمنا مقاليد الأمور وسنؤمن لك سِلمًا منفردًا أفضل من سِلم ستورمر وأشد ضمانًا. وكان مخطط بروتوبوبوف أو بالأحرى مخطط من أوحوا به لبروتوبوبوف، يرى بأن على روسيا أن تُعْلِم حلفاءها "قبل عدة أشهر"بالحاجة الملحة التي تدفعها إلى إنهاء الحرب، فإذا ما رفض الحلفاء البدء بمفاوضات السلام كان على روسيا عقد صلح منفرد مع ألمانيا. ويقول بروتوبوبوف في إحدى مذكراته التي كتبها بعد الثورة ما يلي: "لقد كان جميع العقلاء في روسيا، ومن بينهم كافة زعماء حزب "الحرية للشعب" (الكاديت) يرون بأن روسيا لم تعد في حالة تسمح لها بمتابعة الحرب".

وما أن عاد بروتوبوبوف إلى بلاده حتى قدَّم إلى القيصر تقريرًا عن رحلته وعن مباحثاته، فاستقبل القيصر فكرة السِلم المنفرد أحسن استقبال. ولكنه لم يرَ ضرورة مشاركة الليبراليين في هذا المشروع. وكان قبول بروتوبوبوف في شلة القصر الذي قطع علاقاته مع الكتلة التقدمية أمرًا صدفيًّا يمكن تفسيره بطبيعة هذا الغبي المتبجح الشغوف –حسب تعبيره– بالقيصر وزوجته، والمتعلق إلى حد بعيد بفكرة الوصول إلى منصب وزير الداخلية. ويفترض البعض أن بروتوبوبوف خان الليبرالية. ولكن هذا الافتراض لا يبدل شيئًا من الاتجاه العام للسياسة الخارجية التي سار عليها الليبراليون، والتي كانت مزيجًا من الجشع، والجبن، والخيانة.

وفي 1 نوفمبر (تشرين الثاني) اجتمع مجلس الدوما من جديد، ووصل هياج البلاد إلى درجة لا تحتمل، وانتظر الجميع قيام مجلس الدوما بأعمال حاسمة. وكان عليه أن يفعل أو يقول على الأقل شيئًا. ووجدت الكتلة التقدمية نفسها من جديد مضطرة إلى كشف الحقائق داخل البرلمان. وعندما صعد ميليوكوف إلى منصة المجلس ليعدد أعمال الحكومة، كان يقف عند كل نقطة ليتساءل: "هل هذه حماقة أم خيانة؟". ورفع بعض النواب أصواتهم. ولم تجد الحكومة من يدافع عنها، فردت على أقوال النواب بطريقها الخاصة؛ إذ منعت نشر الخطابات الملقاة في مجلس الدوما؛ فلم تلبث هذه الخطابات أن انتشرت بملايين النسخ. ولم تبقَ مصلحة عامة في المؤخرة والجبهة إلا واهتمت بطبع المناقشات المثيرة، بعد أن يضيف إليها الطابِع
ما يلائم ميوله. وانتشرت المناقشات بشكل أرهب الجميع بما في ذلك النواب الذين قاموا بتوجيه هذه الاتهامات.

وهنا تحرك أقصى اليمين المتمثل بالبيروقراطية الشرسة التي تستوحي مواقفها من دورنوفو الرجعي الذي سحق ثورة 1905، وقدم هذا اليمين إلى القيصر عريضة تتضمن برنامجًا. وكانت آراء هؤلاء الوجهاء المحنكين، الذين تمرسوا في المدرسة البوليسية، تعالج الأمور بدقة وبعد نظر. ولكن العلاج الذي قدموه بدا دون جدوى؛ لأنه لم يكن هناك أي دواء قادر على إنقاذ النظام القديم من أمراضه. وأعلن واضعو العريضة أنهم ضد تقديم أية تنازلات للمعارضة البرجوازية، ولم يكن ذلك ناجمًا عن اعتقادهم بأن الليبراليين يودون دفع مطالبهم إلى أبعد حد ممكن كما يعتقد المائة السود القابعون في أسفل درجات اليمين، والذين كان الوجهاء الكبار ينظرون إليهم بازدراء من علٍ. ولكنهم كانوا يرون بأن أسوأ ما في الأمر هو أن الليبراليين كانوا "ضعافًا إلى حد بعيد، ومنقسمين على بعضهم، وعلى غاية من الحماقة بشكل جعل انتصارهم مؤقتًا عديم الاستقرار".

وكانت نقطة ضعف حزب المعارضة الأساسي، أي حزب الدستوريين – الديموقراطيين (الكاديت) محددة بوضوح كما يلي: يطلق هذا الحزب على نفسه لقب ديموقراطي، مع أنه حزب بورجوازي، ولقد أدَّى وجود عدد كبير من الملاكين الليبراليين بين صفوفه إلى وضع فقرة في برنامجه تؤكد ضرورة إجبار الفلاحين على شراء الأراضي من جديد. ولقد كتب المستشارون السريون بلهجة تكشف عاداتهم ما يلي: "فإذا ما جردنا الكاديت مما اقتبسوه من الأحزاب الأخرى وجدنا أنهم عبارة عن مجموعات من المحامين، والأساتذة، والموظفين في مختلف الوزارات، وكلهم ليبراليون لا أكثر".

ولكن البلاد كانت تضم ثوريين آخرين. وتعترف العريضة المرفوعة إلى القيصر بأهمية الأحزاب الثورية. ولا شك في أن واضعي الوثيقة صروا على أسنانهم غيظًا عندما كتبوا: "ويكمن خطر هذه الأحزاب وقوتها في أنها تمتلك فكرة ومالاً(!)، وتتمتع بدعم الجماهير المستعدة المنظمة جيدًا". وتستطيع الأحزاب الثورية "الاعتماد على تعاطف غالبية الطبقة الفلاحية التي ستسير وراء البروليتاريا عندما سيدفعها الزعماء الثوريون إلى الاستيلاء على أراضي الآخرين". فما هي نتيجة تشكيل وزارة مسئولة أمام البرلمان في مثل هذه الأوضاع؟ إنها ستؤدي دون شك "إلى سحق أحزاب اليمين بصورة نهائية، واحتواء الأحزاب الوسطية (مثل: حزب الوسط، والمحافظين الليبراليين، والأكتوبريين، والتقدميين) بشكل متدرج من قِبل حزب الكاديت الذي سيأخذ في بداية الأمر أهمية حاسمة. ولكن هذا الحزب سيتعرض بعد ذلك للمصير نفسه... وماذا سيجري بعد ذلك؟ بعد ذلك ستأتي الجماهير الثورية، والكومونة، وضياع الأسرة المالكة، ونهب ممتلكات الطبقات المالكة، وقيام الموجيك بأعمال السلب والنهب". ولا يمكننا أن ننكر هنا أن الغضب الرجعي البوليسي ارتفع في هذه العريضة إلى مستوى التوقعات التاريخية.

ولم يكن في برنامج العريضة الإيجابي أي جديد، ولكنه كان برنامجًا واضحًا متماسكًا، يتحدث عن: تشكيل حكومة تضم أشد أنصار الحكم الفردي المطلق إخلاصًا، وإلغاء مجلس الدوما، وإعلان الأحكام العرفية في العاصمتين؛ أي إعداد كافة القوى اللازمة لسحق أية انتفاضة. وكان هذا البرنامج بمجمله القاعدة السياسية الحكومية خلال الأشهر الأخيرة التي سبقت الثورة. ولكن نجاح هذا المخطط كان بحاجة لنفس القوى التي حصل عليها دورنوفو في شتاء 1905، والتي لم تعد موجودة في خريف 1916؛ ولذا حاولت الملكية خنق البلاد دونما ضجيج، وذلك عن طريق تجزئة المقاومات. وأجريت بعض التعديلات الوزارية. ولم يدخل في الوزارة إلا كل من كان مخلصًا للقيصر وزوجته بشكل لا يقبل الشك. ولكن هذه الشخصيات "الموالية" وعلى رأسها المرتد بروتوبوبوف كانت ضعيفة تثير الشفقة. ولم يتم حل مجلس الدوما: واكتفى القيصر بتأجيل اجتماعاته من جديد. وقررت الحكومة إعلان الأحكام العرفية في تاريخ محدد، ولكن الثورة حققت انتصارها قبل أن يأتي هذا التاريخ. أما القوات المعدة لسحق الانتفاضة، فلقد وجدت نفسها منجذبة إلى القوى الثورية. وتأكدت كل هذه الحقائق بعد تقديم العريضة بشهرين أو ثلاثة شهور.

وقامت الليبرالية في هذه الفترة بآخر جهودها لإنقاذ الوضع. وأيدت كافة منظمات البرجوازية الشرعية الخطابات التي ألقتها المعارضة في نوفمبر (تشرين الثاني) داخل مجلس الدوما. وعبَّرت عن تأييدها بسلسلة من التصريحات الجديدة. وتمثلت أهم مظاهر التأييد في المقررات التي اتخذها اتحاد المدن في 9 ديسمبر (كانون الأول) وقال فيها: هناك مجرمون مسئولون وأوغاد يدفعون روسيا إلى الهزيمة، والعار، والعبودية"، ودعا مجلس دوما الدولة "إلى عدم إيقاف جلساته قبل التوصل إلى تشكيل حكومة مسئولة". حتى أن مجلس الدولة نفسه، وهو جهاز بيروقراطي خاضع لكبار الملاك، أعلن تأييده للدعوة القائلة بضرورة تسليم السلطة لحكومة من الشخصيات التي تتمتع بثقة البلاد. وأعرب مؤتمر الطبقة الأرستقراطية المتحدة عن مثل هذا التأييد. وأخذت الأحجار القديمة المغطاة بالطحالب تتكلم. ولكن هذا لم يبدل من الأمر شيئًا، ولم تترك الملكية بقايا السلطة الموجودة بين يديها.

وبعد تردد وجدل حدد موعد عقد آخر دورة لآخر مجلس دوما في 14 فبراير (شباط) 1917. وبقي على موعد اندلاع الثورة أقل من 15 يومًا. وكان وقوع المظاهرات منتظرًا في كل لحظة. ونشرت صحيفة "ويتس" الناطقة بلسان حزب الكاديت بلاغًا أصدره الجنرال خابالوف قائد الفيلق المعسكر في بتروغراد يمنع فيه المظاهرات، كما نشرت في العدد نفسه رسالة من ميليوكوف يحذر العمال فيها من النصائح السيئة الخطيرة" القادمة من "مصادر مشوهة". وبالرغم من المظاهرات الصاخبة فقد انعقد مجلس الدوما وسط هدوء نسبي. وتظاهر هذا المجلس بعدم اهتمامه بمسألة السلطة، وأخذ يهتم بمسألة عملية، ولكنها تتمتع بأهمية بالغة، وهي مسألة التموين. وكانت الجلسات خاملة لا حياة فيها –كما كتب ذلك رودزيانكو فيما بعد– "وكان الجميع يحسون بعجز مجلس الدوما وتقاعسه في ممارسة نضال لا جدوى منه"، وردد ميليوكوف أن الكتلة التقدمية "ستعمل بالكلمات وبالكلمات فقط" وبهذا الشكل دخل مجلس الدوما في دوامة ثورة فبراير (شباط).

الهوامش

(1)      الأوخرانا Oxpaha: الشرطة السياسية السرية في روسيا القيصرية. - المعرب -

(*)     يشير المؤلف هنا إلى قصيدة شهيرة للشاعر الروسي الكسندر بوشكين. (ملاحظة مترجم النص الروسي)